أبي حيان الأندلسي
100
تفسير البحر المحيط
يقوم بالليل . ومفعول ضربنا محذوف أي حجاباً من أن يسمع كما يقال بني على امرأته يريدون بني عليها القبة . وانتصب * ( سِنِينَ ) * على الظرف والعامل فيه * ( فَضَرَبْنَا ) * ، و * ( عَدَدًا ) * مصدر وصف به أو منتصب بفعل مضمر أي بعد * ( عَدَدًا ) * وبمعنى اسم المفعول كالقبض والنفض ، ووصف به * ( سِنِينَ ) * أي * ( سِنِينَ ) * معدودة . والظاهر في قوله * ( عَدَدًا ) * الدلالة على الكثرة لأنه لا يحتاج أن يعد إلاّ ما كثر لا ما قل . * وقال الزمخشري : ويحتمل أن يريد القلة لأن الكثير قليل عنده كقوله * ( لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ ) * انتهى وهذا تحريف في التشبيه لأن لفظ الآية كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلاّ ساعة من نهار ، فهذا تشبيه لسرعة انقضاء ما عاشوا في الدنيا إذا رأوا العذاب كما قال الشاعر : * كأن الفتي لم يعر يوماً إذا اكتسي * ولم يك صعلوكاً إذا ما تمولاً * * ( ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ ) * أي أيقظناهم من نومهم ، والبعث التحريك عن سكون إما في الشخص وإما عن الأمر المبعوث فيه ، وإن كان المبعوث فيه متحركاً و * ( لَنَعْلَمُ ) * أي لنظهر لهم ما علمناه من أمرهم ، وتقدم الكلام في نظير هذا في قوله * ( لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ) * . وفي التحرير وقرأ الجمهور : * ( لَنَعْلَمُ ) * بالنون ، وقرأ الزهري بالياء وفي كتاب ابن خالوية ليعلم * ( أَيُّ الحِزْبَيْنِ ) * حكاه الأخفش . وفي الكشاف وقرئ ليعلم وهو معلق عنه لأن ارتفاعه بالابتداء لا بإسناد يعلم إليه ، وفاعل يعلم مضمون الجملة كما أن مفعول يعلم انتهى . فأما قراءة لنعلم فيظهر أن ذلك التفات خرج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة ، فيكون معناها ومعنى * ( لَنَعْلَمُ ) * بالنون سواء ، وأما ليعلم فيظهر أن المفعول الأول محذوف لدلالة المعنى عليه ، والتقدير ليعلم الله الناس * ( أَيُّ الحِزْبَيْنِ ) * . والجملة من الابتداء والخبر في موضع مفعولي يعلم الثاني والثالث ، وليعلم معلق . وأما ما في الكشاف فلا يجوز ما ذكر على مذهب البصريين لأن الجملة إذ ذاك تكون في موضع المفعول الذي لا يسمى فاعله وهو قائم مقام الفاعل ، فكما أن تلك الجملة وغيرها من الجمل لا تقوم مقام الفاعل فكذلك لا يقوم مقام ما ناب عنه . وللكوفيين مذهبان : أحدهما : أنه يجوز الإسناد إلى الجملة اللفظية مطلقاً . والثاني : أنه لا يجوز إلاّ إن كان مما يصح تعليقه . والظاهر أن الحزبين هما منهم لقوله تعالى * ( وَكَذالِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ ) * الآية . وكأن الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم علموا أن لبثهم تطاول ، ويدل على ذلك أنه تعالى بدأ بقصتهم ولا مختصرة من قوله * ( أَمْ حَسِبْتَ ) * إلى قوله * ( أَمَدًا ) * ثم قصها تعالى مطولة مسهبة من قوله * ( نَحْنُ نَقُصُّ * إِلَى * قَوْلُهُ * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ) * . وقال ابن عطية : والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم * ( الْفِتْيَةُ ) * أي ظنوا لبثهم قليلاً ، والحزب الثاني هم أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية ، وهذا قول الجمهور من المفسرين انتهى . وقالت فرقة : هما حزبان كافران اختلفا في مدة أهل الكهف . قال السدّي من اليهود والنصارى الذين علموا قريشاً السؤال عن أهل الكهف ، وعن الخضر وعن الروح وكانوا قد اختلفوا في مدة إقامة أهل الكهف في الكهف . وقال مجاهد : قوم أهل الكهف كان منهم مؤمنون وكافرون واختلفوا في مدة إقامتهم . وقيل : حزبان من المؤمنين في زمن * ( أَصْحَابَ الْكَهْفِ ) * اختلفوا في مدة لبثهم قاله الفراء . وقال ابن عباس الملوك الذين تداولوا ملك المدينة حزب وأهل الكهف حزب . وقال ابن بحر : الحزبان الله والخلق كقوله * ( أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ ) * وهذه كلها أقوال مضطربة . وقال ابن قتادة : لم يكن للفريقين علم بلبثهم لا لمؤمن ولا لكافر بدليل قوله * ( اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ) * . وقال مقاتل : كما بعثوا زال الشك وعرفت حقيقة اللبث . و * ( أَحْصَى ) * جوز الحوفي وأبو البقاء أن يكون فعلاً ماضياً ، وما مصدرية و * ( أَمَدًا ) * مفعول به ، وأن يكون أفعل تفضيل و * ( أَمَدًا ) * تمييز .